19‏/10‏/2010

محمد فال ولد عبد اللطيف يكتب عن لكوارب ..نصيحة وصيحة


هل سمعتم بمدينة موريتانيو ثلثها حمأ وثلثها ماء راكد والثلث الآخر بشر وآجر مكسر مقشر؟ إنها مدينة مشهورة بنيت على ضفة نهر مشهور، يفترض فيها أن تكون عاصمة زراعية صناعية وواجهة محترمة لدولة محترمة.
اسم هذه المدينة يبدأ بحرف الراء ينتهي بالوار وبينهما صاد، زرت هذه المدينة منذ أيام فواتح تشرين المبارك بعد أن انتهى عنفوان الخريف وكفت السماء من غربها، فرأيت فيها ما يضحك ولكنه  ضحك كالبكاء. فعلا لقد رثيت لما رأيت فيها، وفي الحقيقة لم أكد أدخلها إلا بعد اللتيا والتي لأن ما كان يسمى بمدينة روصو- ويعرف عند الكثير بمدينة أكويربات السطارة- أصبح اليوم عبارة عن مستنقع كبير يتألف من الحمإ المسنون والماء النتون، وصبابات من البنزين والنطرون، إلى أكواخ من القمامة لا يعرف عنها الناظر شيئا إلا أنها من الأجرام المتحجرة أما إلى أي فصائل الجوامد والسوائل تنتسب فهذا ما يمكن لأحد يناكد منه، نعم قد يخيل للناظر أن تلك القمامات هي قطع من كوم دينوصورات هلكت في الزمن الأول، فبقيت إلى زماننا هذا فهي تظبخ بحر الخريف في ذلك السائل اللزج المتكون من الحمإ والوسخ والودح.
في هذا المنظر انطمست جميع المعالم فلا شوارع ولا ساحات ولا ممرات، والشارع الوحيد الذي كان مسفلتا لعبت به عوامل التعرية وعوادي الزمن حتى أن الناظر العادي ليرتاب هل كان هنالك شارع يوما.
ومن الغريب القريب الملاحظ الذي لا يتمارى فيه إثنان أنه لا يوجد في مدينة روصو اليوم شيء يلمع اللهم إلا أن تكون ضمائر سكانها ونياتهم الحسنة وإشعاعهم الثقافي والفني، أما المحلات التجارية والمكاتب الإدارية فكل غبرة ترهقها قترة.
وأحسن ما تم بقايا من الآجر الأحمر المتراعي في سقوف أبنية مما تركته فرنسا أيام إذ كانت هي الآمرة الناهية في بلادنا فما زال ذلك الآجر يزين الجانب الجنوبي في المدينة ويذكر ساكنة المدينة بسالف أمجادهم. وتستدعي عبرة الناظر بهذا الخصوص كلمة كتبتها الشركة الفرنسية المعروفة بلاكومب، على واجهة إحدى محلاتها التجارية في الأربعينات من القرن الماضي، وبعد أن غادرت تلك الشركة البلاد، وتعاقبت على تلك المحلة أيدي الملاك وكل حاول طمس الكلمة وكتبوا فوقها ولكنها بقيت صامدة على تعاقب الملوين وكر الجديدين، تمحو سواقي المورق القطر ما كتب فوقها وتبقى هي كما كانت أول يوم.
إن ما أكتبه في هذه الأسطر عن الحبيبة روصو ليس من باب التجني ولا التشفي ولكنه من باب الإشفاق والحب، وإنني أحب مدينة روصو لأكثر من سبب فهي مدينتي الأولى عليها درجت وفيها درست وقضيت فيها مآرب الشباب وعاشرت الأصحاب والأتراب.
وهي أول مدينة رأيت فيها الفلك ، وأكلت الأرز بالسمك وشاهدت فيها في السينما وقائع رينكو وجينكواف زرو وماسيست، وفلم ظهور الإسلام وأفلاما هندية تطربنا ولا نفهم ما تقول إنها أول مدينة عرفت فيها "تياف" وكلوريا، ولا يخفى ما يمثل هذان في حياة طلاب الثانوية إنني اليوم أتألم لما ألم بمدينة روصو الحبيبة من التدهور والتقهقر واستنهض لها همم الأباة الحماة من أبناء الوطن وأبنائها هي أن ينفضوا عنها الغبار ويغسلوا عنها العار، فإنها لا تستحق ما حل بها، هذه نصيحة وصيحة.
إنه تحسس بالإطار الكبير والوجيه الهمام أن يكون له دار في عاصمة ولايتهـ، دار محترمة في مكان آمن من السيول والطوفان والضفادع، مرتفع عن ضفة النهر لا يحتاج إلى تلك القنوات التي يسمونها بالكنادير (جمع كندير وهي كلمة من أصل فرنسي وأما الكندير في العربية فأظن أن في شعر النابغة الذبياني ما يدل على أنه من صفات الحمار والوحشي).
فإذا فعلى كل إطار وكل تاجر وكل وجيه ما اقترحناه هنا فتبجل روصو بين عشية وضحاها إلى جوهرة من جواهر أي إكليل تعار منها بوستردام وأرويتردام وتستجلب السواح، ويعم الخير..
ولعل ما قامت به الوزارة المكلفة بالعمران من مراجعة مخطط روصو مؤخرا وإنشاء مخطط عمراني جديد مبني على قواعد عمرانية أكثر متانة وأحسن مردا، هو بادرة خير ولكن من تجاوب المواطن معه هم وأبناء الولاية اجمعون والله الموفق وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده.
محمدفال ولد عبد اللطيف.

هناك تعليقان (2):

  1. ماقلته يا أخي هو عين الصواب ولايخفى على أحد لكن المؤلم والذي يحز في النفس هو مافعله ابناء هذه المدينة بها وكأن لسان حالها يقول
    وظلم ذوي القربى أشد مرارة على النفس من وقع الحسام المهند

    ردحذف
  2. شكرا محمدفال على هذا الموضوع

    ردحذف